سيد محمد طنطاوي
47
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد ذكر بعض السلف : أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا من أهل اليمن كانوا من قرية يقال لها : « ضروان » على ستة أميال من صنعاء . . وكان أبوهم قد ترك لهم هذه الجنة ، وكانوا من أهل الكتاب ، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليه ، ويدخر لعياله قوت سنتهم ، ويتصدق بالفاضل . فلما مات وورثه أولاده ، قالوا : لقد كان أبونا أحمق ، إذ كان يصرف من هذه الجنة شيئا للفقراء ، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك لنا ، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم ، فقد أذهب اللَّه ما بأيديهم بالكلية : أذهب رأس المال ، والربح . . فلم يبق لهم شيء . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( بَلَوْناهُمْ ) * أي : اختبرناهم وامتحناهم ، مأخوذ من البلوى ، التي تطلق على الاختبار ، والابتلاء قد يكون بالخير وقد يكون بالشر ، كما قال - تعالى - : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ونَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً . . وكما في قوله - سبحانه - : وبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . والمراد بالابتلاء هنا : الابتلاء بالشر بعد جحودهم لنعمة الخير . أي : إنا امتحنا مشركي قريش بالقحط والجوع . حتى أكلوا الجيف ، بسبب كفرهم بنعمنا ، وتكذيبهم لرسولنا صلى اللَّه عليه وسلم كما ابتلينا من قبلهم أصحاب الجنة ، بأن دمرناها تدميرا ، بسبب بخلهم وامتناعهم عن أداء حقوق اللَّه منها . . ويبدو أن قصة أصحاب الجنة ، كانت معروفة لأهل مكة ، ولذا ضرب اللَّه - تعالى - المثل بها . حتى يعتبروا ويتعظوا . . ووجه المشابهة بين حال أهل مكة ، وحال أصحاب الجنة . . يتمثل في أن كلا الطرفين قد منحه اللَّه - تعالى - نعمة عظيمة ، ولكنه قابلها بالجحود وعدم الشكر . و * ( إِذْ ) * في قوله : * ( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ . . ) * تعليلية . والضمير في * ( أَقْسَمُوا ) * يعود لمعظمهم ، لأن الآيات الآتية بعد ذلك ، تدل على أن أوسطهم قد نهاهم عما اعتزموه من حرمان المساكين ، ومن مخالفة ما يأمرهم شرع اللَّه - تعالى - به . . قال - تعالى - : * ( قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ . . . ) * . وقوله : * ( لَيَصْرِمُنَّها ) * من الصرم وهو القطع . يقال : صرم فلان زرعه - من باب ضرب - إذا جزّه وقطعه ، ومنه قولهم : انصرم حبل المودة بين فلان وفلان ، إذا انقطع .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 223 .